صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )

385

شرح أصول الكافي

هواء يشتعل به الحطب ونحوه كالفحم ، فالبدن كالفحم وهذا الروح كالهواء الّذي في منافذ الفحم واجوافه ، والنفخ سبب لاشتعال الروح البخاري بنار النّفس وتنورها بنور الروح الامري ، فللنفخ في الصور صورة وحقيقة ونتيجة : فصورته اخراج الهواء من آلة النفخ إلى جوف المنفوخ فيه حتى يشتعل نارا ، وهذه الصّورة في حق اللّه محال ولكن النتيجة والمسبب غير محال ، وقد يكنى بالسبب عن النتيجة والأثر المترتب عليه كقوله تعالى : غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ * « 1 » فَانْتَقَمْنا مِنْهُمْ * « 2 » وصورة الغضب عبارة عن نوع تغير في نفس الغضبان يتأذى به ونتيجته اهلاك المغضوب عليه أو جرحه وايلامه ، فعبّر في حق اللّه عن نتيجة الغضب بالغضب وعن نتيجة الانتقام بالانتقام ، فكذلك يمكن ان يقال هاهنا انه عبّر عما ينتج نتيجة النفخ بالنفخ ، وان لم يكن على صورة النّفخ ، ولكن نحن لا نكتفي في الأسماء التي هي مبادي افعال اللّه بهذا القدر وهو مجرّد ترتب الأثر من غير حقيقة تكون بإزاء الصورة . بل نقول : حقيقة النفخ - الّذي في عالم الصّورة عبارة عن اخراج شيء من جوف النّافخ إلى جوف المنفوخ فيه كالزق « 3 » ونحوه - « 4 » هي إفاضة نور سر الروح العلوي الإلهي على القالب اللطيف المعتدل المستوي ، أعني به الروح الحيواني القابل لفيضان النّور العقلي والرّوح الإلهي ، كقبول البلور لفيضان النور الحسي من الشّمس النّافذ في اجزائه وأقطاره ، فهكذا يكون أنوار الحس والحياة نافذة في كلّ جزء من اجزاء القالب والبدن ، فعبر عن إفاضة الرّوح على البدن بالنّفخ فيه . فإذا تقرر ما ذكرناه فان قال قائل : فما السّبب الّذي اشتعل به نور الروح الحيواني في فتيلة النطفة ؟ يقال : هو صفة في الفاعل وصفة في القابل . وامّا صفة الفاعل : فالجود الإلهي وهو ينبوع كلّ وجود لانّه فياض بذاته على كلّ ما له استعداد قبول الوجود حقيقة ، ومثاله فيضان نور الشمس على كلّ قابل للاستنارة عند ارتفاع الحجب بينهما . وقابل الاستنارة هي سطوح المتلونات كالأرض ونحوها أو أعماق الأجسام المقتصدة في الكثافة والشفافة كالبلور

--> ( 1 ) - المجادلة 14 . ( 2 ) - الأعراف 136 . ( 3 ) - زق الحداد : اي كيره . ( 4 ) - اي : حقيقة النفخ هي . . .